أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
119
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
هكذا قال بعضهم ، وإن كان سيبويه قد أطلق جواز ذلك ، وأشمّ الكسائي : قيل « 1 » ، وغيض « 2 » وجيء « 3 » ، وحيل بينهم « 4 » ، وسيق الذين « 5 » ، وسئ « 6 » بهم ، وسيئت وجوه « 7 » ، وافقه هشام « 8 » في الجميع ، وابن ذكوان في « حيل » وما بعدها ، ونافع في « سئ » و « سيئت » والباقون بإخلاص الكسر في الجميع . والإشمام له معان أربعة في اصطلاح القرّاء سيأتي ذلك في « يوسف » إن شاء اللّه تعالى عند ما لَكَ لا تَأْمَنَّا « 9 » فإنه أليق به . و « لهم » جارّ ومجرور متعلّق بقيل ، واللام للتبليغ ، و « لا » حرف نهي تجزم فعلا واحدا ، « تفسدوا » مجزوم بها ، علامة جزمه حذف النون لأنه من الأمثلة الخمسة ، و « في الأرض » متعلّق به ، والقائم مقام الفاعل هو الجملة من قوله « لا تفسدوا » لأنه هو المقول في المعنى ، واختاره أبو القاسم الزمخشري ، والتقدير : وإذا قيل لهم هذا الكلام أو هذا اللفظ ، فهو من باب الإسناد اللفظي . وقيل « 10 » : القائم مقام الفاعل مضمر تقديره : وإذا قيل لهم قول هو ، ويفسّر هذا المضمر سياق الكلام كما فسّره في قوله : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ « 11 » والمعنى : « وإذا قيل لهم قول سديد » فأضمر هذا القول الموصوف ، وجاءت الجملة بعده مفسرة فلا موضع لها من الإعراب ، قال : « فإذا أمكن الإسناد المعنويّ لم يعدل إلى اللفظي ، وقد أمكن ذلك بما تقدّم » وهذا القول سبقه إليه أبو البقاء فإنه قال : « والمفعول القائم مقام الفاعل مصدر وهو القول وأضمر لأنّ الجملة بعده تفسّره ، ولا يجوز أن يكون « لا تفسدوا » قائما مقام الفاعل لأنّ الجملة لا تكون فاعلة فلا تقوم مقام الفاعل » . انتهى . وقد تقدّم جواب ذلك من أنّ المعنى : وإذا قيل لهم هذا اللفظ ، ولا يجوز أن يكون « لهم » قائما مقام الفاعل إلا في رأي الكوفيين والأخفش ، إذ يجوز عندهم إقامة غير المفعول به مع وجوده . وتلخّص من هذا أنّ جملة قوله : « لا تفسدوا » في محلّ رفع على قول الزمخشري ، ولا محلّ لها على قول أبي البقاء ومن تبعه . والجملة من قوله : « قيل » وما في حيّزه في محلّ خفض بإضافة الظرف إليه . والعامل في « إذا » جوابها عند الجمهور وهو « قالوا » ، والتقدير : قالوا إنما نحن مصلحون وقت القائل لهم لا تفسدوا ، وقال بعضهم « 12 » : « الذي نختاره أنّ الجملة التي بعدها وتليها ناصبة لها ، وأنّ ما بعدها ليس في محلّ خفض بالإضافة لأنها أداة شرط ، فحكمها حكم الظروف التي يجازى بها ، فكما أنك إذا قلت : « متى تقم أقم » كان « متى » منصوبا بفعل الشرط فكذلك « إذا » . قال هذا القائل : « والذي يفسد مذهب الجمهور جواز قولك : « إذا قمت فعمرو قائم » ، ووقوع « إذا » الفجائية جوابا لها ، وما بعد الفاء وإذا الفجائية لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما . وهو اعتراض ظاهر . وقوله : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ « إنّ » حرف مكفوف ب « ما » الزائدة عن العمل ، ولذلك تليها الجملة مطلقا ، وهي تفيد الحصر عند بعضهم . وأبعد من زعم أن « إنما » مركبة من « إنّ » التي للإثبات و « ما » التي للنفي ، وأنّ بالتركيب حدث معنى يفيد الحصر . وأعلم أنّ « إنّ » وأخواتها إذا وليتها « ما » الزائدة بطل عملها وذهب
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 11 ) . ( 2 ) سورة هود ، آية ( 44 ) . ( 3 ) سورة الزمر ، آية ( 69 ) . ( 4 ) سورة سبأ ، آية ( 54 ) . ( 5 ) سورة الزمر ، آية ( 71 ) . ( 6 ) سورة هود ، آية ( 77 ) . ( 7 ) سورة الملك ، آية ( 27 ) . ( 8 ) هشام بن عمار بن نصير ابن ميسرة السلمي أبو الوليد قاض من القراء المشهورين من أهل دمشق ، توفي سنة 245 ه . غاية النهاية ( 2 / 354 ) ، ميزان الاعتدال ( 3 / 255 ) ، الأعلام ( 8 / 87 ) . ( 9 ) سورة يوسف ، آية ( 11 ) . ( 10 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 64 ) . ( 11 ) سورة ص ، آية ( 32 ) . ( 12 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 64 ) .